أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
30
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
والجواب : أن الكتاب والسنة وردا بين شريعة وحقيقة أو تقول : بين تشريع وتحقيق فقد يشرعان في موضع ويحققان في آخر في ذلك الشيء بعينه ، وقد يحققان في موضع ويشرعان فيه في آخر ، وقد يشرع القرآن في موضع وتحققه السنة ، وقد تشرع السنة في موضع ويحققه القرآن ، فالرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم مبين لما أنزل اللّه قال تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] فقوله تعالى : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ النحل : 32 ] ، هذا تشريع لأهل الحكمة وهم أهل الشريعة وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله « 1 » » ، هذا تحقيق لأهل القدوة ، وهم أهل الحقيقة كما أن قوله تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : 30 ] ، تحقيق وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إذا هم أحدكم بحسنة كتبت له حسنة « 2 » » ، تشريع . والحاصل : أن القرآن تقيده السنة والسنة يقيدها القرآن ، فالواجب على الإنسان أن تكون له عينان : أحداهما : تنظر إلى الحقيقة ، والأخرى : تنظر إلى الشريعة ، فإذا وجد القرآن قد شرع في موضع ، فلابد أن يكون قد حقق في موضع آخر أو تحققه السنة ، وإذا وجد السنة قد شرعت في موضع ، فلابد أن تكون قد حقّقت في موضع آخر أو حققها القرآن ، ولا تعارض حينئذ بين الآية والحديث ولا إشكال . وهنا جواب آخر وهو : أن اللّه تعالى لما دعا الناس إلى التوحيد والطاعة على أنهم لا يدخلون فيه من غير طمع فوعدهم بالجزاء على العمل ، فلما رسخت أقدامهم في الإسلام أخرجهم صلى اللّه عليه وآله وسلم من ذلك الحرف ورقاهم إلى إخلاص العبودية والتحقق بمقام الإخلاص فقال لهم : « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله » ، واللّه تعالى أعلم . وهنا أجوبة لأهل الظاهر لا تجدي شيئا ، ولما كان الانتقال من عمل
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 2169 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 5 / 2380 ) ، ومسلم ( 1 / 118 ) ، والنسائي في الكبرى ( 4 / 396 ) ، والدارمي ( 2 / 413 ) .